محمد سعيد رمضان البوطي
110
فقه السيرة ( البوطي )
وبأنهم كائنات حية كلفها اللّه عز وجل بعبادته كما كلفنا بذلك ، ولئن كانت حواسنا ومداركنا لا تشعر بهم ، فذلك لأن اللّه عز وجل جعل وجودهم غير خاضع للطاقة البصرية التي بثها في أعيننا ، ومعلوم أن أعيننا إنما تبصر أنواعا معينة من الموجودات بقدر معين وبشروط معينة . ولما كان وجود هذه الخليقة مسندا إلى أخبار يقينية متواترة وردت إلينا من الكتاب والسنة ، وكان أمرها معلوما من الدين بالضرورة أجمع المسلمون على أن إنكار الجن أو الشك في وجودهم يستلزم الردة والخروج عن الإسلام ، إذ إن إنكارهم إنكار لشيء علم أنه من الدين بالضرورة ، عدا أنه يتضمن تكذيب الخبر الصادق المتواتر الوارد إلينا عن اللّه عز وجل وعن رسوله . ولا ينبغي أن يقع العاقل في أشد مظاهر الغفلة والجهل من حيث يزعم أنه لا يؤمن إلا بما يتفق مع « العلم » فيمضي يتبجح بأنه لا يعتقد بوجود الجان ، من أجل أنه لم ير الجان ولم يحسّ بهم . إن من البداهة بمكان أن مثل هذا الجهل المتعالم ، يستدعي إنكار كثير من الموجودات اليقينية لسبب واحد ؛ هو عدم إمكان رؤيتها ، والقاعدة العلمية المشهورة تقول : عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود ، أي عدم رؤيتك لشيء تفتش عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقودا أو غير موجود . خامسا : ما موقع كل ما رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم في سياحته هذه في الطائف وما هو أثر كل هذا الذي عاناه في نفسه ؟ . يتضح الجواب على هذا فيما قاله النبي عليه الصلاة والسلام لزيد بن حارثة ، حينما سأله زيد متعجبا : كيف تعود يا رسول اللّه إلى مكة وهم أخرجوك ؟ فقد أجابه في ثقة واطمئنان قائلا : « يا زيد إن اللّه جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن اللّه ناصر دينه ومظهر نبيّه » . وإذا فإن كل ذاك الذي رآه وعاناه في الطائف ، بعد القسوة والعذاب اللذين رآهما في مكة ، لم يكن له أي تأثير على ثقته باللّه تعالى أو على قوة العزيمة الإيجابية في نفسه . ولا واللّه ، ليست هذه عزيمة بشر أتته الطبيعة مزيدا من التحمل أو قوة الإرادة . ولكنه يقين النبوة كان ثابتا في قلبه صلى اللّه عليه وسلم فهو يعلم أنه إنما ينفذ أمر ربه ويسير في